محمد بن جرير الطبري

5

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

السيئات فيها وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ يقول : ويثيبهم ثوابهم بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا في الدنيا يَعْمَلُونَ مما يرضى الله عنهم دون أسوئها ، كما : يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ : أي ولهم ذنوب ، أي رب نعم لَهُمْ 34 فيها ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ، وقرأ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ إلى أن بلغ وَمَغْفِرَةٌ لئلا ييأس من لهم الذنوب أن لا يكونوا منهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ، وقرأ : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ إلى آخر الآية . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ . . . مِنْ مُضِلٍّ . . . انْتِقامٍ اختلفت القراء في قراءة : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء أهل الكوفة : " أليس الله بكاف عباده " على الجماع ، بمعنى : أليس الله بكاف محمدا وأنبياءه من قبله ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء ؛ وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة ، وبعض قراه للكوفة : بِكافٍ عَبْدَهُ على التوحيد ، بمعنى : أليس الله بكاف عبده محمدا . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار . فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب لصحة معنييهما واستفاضة القراءة بهما في قراءة الأمصار . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ يقول : محمد صلى الله عليه وسلم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ قال : بلى ، والله ليكفينه الله ويعزه وينصره كما وعده . وقوله : وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ويخوفك هؤلاء المشركون يا محمد بالذين من دون الله من الأوثان والآلهة أن تصيبك بسوء ، ببراءتك منها ، وعيبك لها ، والله كافيك ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ الآلهة ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى شعب بسقام ليكسر العزى ، فقال سادنها ، وهو قيمها : يا خالد أنا أحذركها ، إن لها شدة لا يقوم إليها شيء ، فمشى إليها خالد بالفأس فهشم أنفها . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يقول : بآلهتهم التي كانوا يعبدون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ قال : يخوفونك بآلهتهم التي من دونه . وقوله : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ يقول تعالى ذكره : ومن يخذله الله فيضله عن طريق الحق وسبيل الرشد ، فما له سواه من مرشد ومسدد إلى طريق الحق ، وموفق للإيمان بالله ، وتصديق رسوله ، والعمل بطاعته وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ يقول : ومن يوفقه الله للإيمان به ، والعمل بكتابه ، فما له من مضل ، يقول : فما له من مزيغ يزيغه عن الحق الذي هو عليه إلى الارتداد إلى الكفر أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ يقول جل ثناؤه : أليس الله يا محمد بعزيز في انتقامه من كفرة خلقه ، ذي انتقام من أعدائه الجاحدين وحدانيته . . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين العادلين بالله الأوثان والأصنام : من خلق السماوات والأرض ؟ ليقولن :